قراءة عاشقة في ديوان -همسات ثائرة- للشاعرة المغربية نعيمة خليفي

عبد العاطي الخازن
همسات

بعيداً عن رؤية العالم الذكورية إلى عالم الأنثوية المفعم والمليء بالأحاسيس الصادقة ، تُعلن الشاعرة نعيمة خليفي عن همسات ثائرة وهو إصدارها الأول الذي جاءنا بكل تداعياته و تجلياته بوضوحه وترفه بحزنه وببهجته واحتجاجه متخفياً بألوان التشظي والانفلات .. متقمصة الطرائف والآليات اللغوية والأسلوبية التي ينبني عليها النص الشعري وتحويله إلى لوحة فنية من نسمة بحر ومسك وحناء ثم إلى همسة ثم رائحة وطلاء ، وعلى حدٍ سواءْ تتأثث قصائدُ الشاعرة بالتساوي فتعطي لكل نص حقه من الحب أو الانفعال أو الحزن أو العتاب أو التخلص من الصورة الأنثوية التي رسمها لها الذكر وأشاعها في أرجاء الكون . فشاعرتنا تجاهدُ كي تفتح نافذة تسمح لها بإطلالة شاملة على النص الشعري والارتقاء به إلى ما هو خيالي ثم تطويعه وجعله واقعياً ومحض اهتمام ، ولا تنفكُ من ملاحقتهِ حتى يصل إلى القلب مباشرة ، فتتوهجُ الفكرة أكثر وضوحاً حتى في قمة العتمة فمن خلالها نتحسس فخاخ الظلام بقدرٍ كبيرٍ من الاطمئنان . همسٌ هنا .. وهمسٌ هناك ، يحط على غصن الذكريات بدون إيقاع محدد . فمرةً تكون الشاعرة طفلة وصبية أحياناً وحيناً آخر امرأة ناضجة ، ولكن ما يجمعُ ويميز هذه الرقصات المختلفة و المتحولة للحضور الأنثوي هو هذه السيمفونية المتناغمة شعراً صادقاً اتجاه الآخر والذات و الطبيعة والوطن .. وعلى الرغم من صعوبة عزل هذه السمات المترابطة والمتداخلة في نفسية الشاعرة من خلال نصوصها فإننا نعزي هذا الاضطراب إلى القلق والخوف المصاحب بالمشاعر الإنسانية الخلاقة و الهرُوب اتجاه الحرية : كل يوم أصير سرب طيور بأجنحة الضوء الممتشقة أحلق نحو جنات عدن لأقتنص أحلام الشمس . إن المعنى الذي نكتشفهُ من خلال هذا التناول الشعري هو الرغبة و الحلم بالرحيل الدائم إلى مكان آخر أكان هذا المكان افتراضياً أم حقيقياً ، فإنه يشعرها بالارتياح التام و تجدُ فيه شيئاً مما تريد ، وتمتد هذه الرغبة الجامحة إلى نصوصٍ أخرى في غياب التكرار والمُحاكاة موظفة عبارات أخرى كالترحال و العالم القصي و التجول و السفر ..ولا تميل قصائدها إلى الطول فمعظمها متوسط الحجم وعلى الرغم من هذا الاعتدال النسبي ، فالقصيدة عند نعيمة خليفي لا تفقد التركيز والتكثيف وأسلوب صناعة المتعة ، فالمتعة هي الشرط الأساس في النص الشعري ، بل لا نبالغ إذا قلنا إن شرط المتعة الشعرية هي الشعر نفسه ، فهي التي تمنحُ النص سنداً ودعامة وعوناً حتى يبقى ويسود . وللغةِ دور موازي في الموضوع ،فالشاعرة تطرح قضية اللغة كأساس أيضاً . ذلك السهل الممتنع البعيد عن الهذيان ، وهكذا تكون اللغة مفتاحا ذهبياً لجميع القصائد رغم اختلاف تناول المواضيع . ويبدو أن النضج الإبداعي والتداول وخبرات الكتابة أسهموا بشكل واضح في الوصول إلى درجة كبيرة من التميّز . كما تطرح الشاعرة نعيمة خليفي في مجموعتها الشعرية همسات ثائرة إشكالاً يتعلقُ بالسياسة الشعرية بإهدائها قصائد للشعب العراقي والليبي والتونسي والعربي .. تحت عنوان نزيف الأوطان كجزء في سبيل إضاءة المسكوت عنه شعريا : متى تصحو يا بحر بابل ؟ متى تخلع رداء الصمت القاتل ؟ في صمتك ضاعت ثورة ، وكبرت أطماع الغزاة . وتأتي في الجزء الأخير من الديوان همسات نثرية تدونها الشاعرة بشكل متلاحق لاكتشاف نوع آخر من الرقص الشعري وتفاعل النص مع الموسيقى الشعرية لدرجة النشوة ، ولا يمكننا مهما قلنا أن نعطي ديوان همسات ثائرة حقه ، و يمكن اعتباره كما قال الشاعر و الكاتب علاء كعيد حسب :” كأس ملونة من نبيذ الآلهة..تحية لنجم أبصر الشاعرة بينما تتوسد أوراقها القديمة و تحت وسادتها ينكسر الموج، لذلك فكلماتها سرير لكل من يريد باقة من الأحلام لتؤنسه، و قنديل من ألق شمسها لمن استوحش في وحدته. و هو بامتياز، ديوان يستحق أكثر من وقفة و قراءة، لشاعرة دفعها الضغط إلى الانفجار، و التعبير عن رفضها لواقعها و ما يرافقه من تجليات، عبر همسات ثائرة”. أو كما قال مقدم الديوان الصحفي والأديب العراقي محمد جاسم : لقد عشت لحظات همسات ثائرة ولم أجد حتى الآن الأسلوب الملائم لنقلها وتصويرها كما ينبغي .

اعداد عبد العاطي الخازن

2016-01-16
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

‎تساوت 24 admin