حوار مع الشاعر محمد نور الدين بن خديجة…*أراهن في كتابة الشعر على التحدي وعلى حريتي*

1٬864 مشاهدة
عبد العاطي الخازن

تساوت 24-ماهي النصوص الشعرية الأولى …. القراءات الأولى التي ساهمت في تشكيل هويتك الشعرية ومن أين جاء شغفك باللغة العربية والعامية ؟…………

 بن خديجة…:*أتذكر الم تخنني الذاكرة أني كتبت محاولاتي الأولى في سن الثالثة عشر تحت تأثير القصيدة العربية المقفاة …. فما إن انفتحت ذكراتي على التراث الشعري العربي حتى أهوست وأصبت بمس الشعر…. أقتنص جمع النصوص الشعرية أني أتيح لي ذلك حتى أني دبجت دفاتر مدرسية عديدة بنصوص شعرية لعدد من الشعراء العرب… فقد كان انبهاري شديدا بالمتنبي والشريف الرضي والبهاء زهير وابن خفاجة وأبي نواس … وعلى ضوء هذه الإضاءات كتبت نصوصا أو محاولات لا أعرف الآن أن كانت صائبة عروضيا أولا.. لأن جل تلك الأعمال بما فيها أعمال النضج قد احترقت لأسباب سأشرحها فيما بعد.المهم أصبحت أتلمس طريقي نحو هوية”الشاعر” فكتبت نصا عن الشهيد” المهدي بنبركة” ولكن فوجئت بأن إخوتي أحرقوه خوفا علي والمرحلة كما تعرف مرحلة ما سمي الجمر والرصاص وأتذكر أن السنة كانت 78 أو 79 … فبكيت اشد البكاء، وقد كان وقوف أبي إلى جانبي مبهرا …معتدا بي بقوله وهو الأمي ذو الأصول البدوية- انه فخور أن اكتب شعرا عن قائد وطني فذ… وبأنه لم يكن له الحق في التصرف هكذا . ربما هوية الشاعر هذه كانت حاضرة ولكن أوقدتها المعرفة المدرسية…لماذا ؟ لان بيتنا كان يعج بفن القول الشعري الشعبي وخاصة الإرث العربي الحساني فقد كانت جدتي خزانا شفويا للشعر الشعبي والفصيح الصوفي الذي ورثته عن أبيها”الفقير عياد السباعي “.. بالإضافة إلى أغاني وقصائد “حمادة”.. كما أن مراكش المدينة وحي ” السبتيين “الذي ولدت وترعرعت فيه كان زاخرا بكل أنواع الفنون الشعبية والملحون على رأسها… وهذا يؤثر في الإنسان بأشكال متفاوتة … والمراكشي على الخصوص فنان الكلمة وذواق لها…لهذا وجدتني اكتب من حيث لا أدري القصيدة العامية والفصيحة في آن ..بدون أن أضع في ذهني أي امتياز لجنس على أخر فكل ما يواتيني التعبير عن أحاسيس أعبر حسب المزاج أو حسب “الهوى” أو حسب ما تقوله ” السجية” كما يقال.

تساوت 24ما هي الفكرة المحورية التي تدور حولها نظريتك للشعر ؟ وماذا أردت أن تضيف؟ وما الذي يفضي به الشعر إليك؟ وبماذا تقضي له؟..

  بن خديجة…:*لا نظرية للشعر …فالشعر هو هته الحالة الفردانية … وعبرها تتفاعل كل العوالم الأخرى… وعلى العموم المبدأ الأساسي للشعر هو الحرية .. وإذا تدخلت العوامل الكابحة والمحظورات وما يجوز وما لا يجوز يغيب الشعر ويحضر النظم …يغيب الشاعر ويحضر الشرطي …. إذن لا غرو أن يبقى هؤلاء الذين أوفوا لمبدأ الحرية حسب رأيتهم للحرية كل من زاويته …(المتنبي سيبقى… أبو نواس… عمر الخيام….محمود درويش…. مظفر النواب… دعبل الخزاعي …الخ) لا أقول بأني اتبنى السلف الشعري كما يحلو للبعض ولا الحداثة كما يرها البعض… يتساوى عندي عبد الله البردوني بغيره من الحداثين وأفضله أحيانا عليهم .. القصيدة عندي هي التي تخلص لراهنها وللحقيقة والحرية كما ينشدها أناس واقعيون في مرحلة ما..هتة هي النظرية كما أراها إذا ما كانت هناك نظرية … لا أحب أن اكتب عن تعال وتجرد تستهويني الحداثة الواقعية كما أراها عندي سعدي يوسف « وانبذ تلك التجريدات والاستيهامات الفكرية الموغلة كما عند أدونيس، وما يمكن إظافته في الشعر هو هذا التبني الحقيقي لمبدأ الحرية إدا ما استعطت سبيلا…وهو تبني يظهر ويختفي عند الشعراء حسب كل مرحلة وحسب شخصية كل شاعر. لا رغبة لي في الخلود… ولكن رغبتي أن أقول كلمتي وأخط أثري في هذا الوجود وأمضي… كما قال شيخ الغيوان المرحوم « العربي باطما »: « جيت نقول كلمتي ونمشي »

تساوت 24- كيف ترى أن التجربة الحياتية هي نبع كل إبداع ؟

بن خديجة*إن تجارب الحياة هي الخزان الحقيقي للإبداع …إذا ما وعينا بحدة هتة التجارب ..فلا يمكن أن تكون روائيا كبيرا وأنت قابع في مكانك أو بيتك وتريد أن تبني شخوصا وأحداثا ووقائع…. وأروع ما كتب حسب رأيي كان مستمدا من الواقع. بالنسبة لي وفي أغلب ما كتبت زجلا أو شعرا كل كان له دافع من الواقع عبر وقائع وأحداث أو شخوص أو حالات أو أحوال…. لقد كانت بدايتي مع القصيدة حادة ومفجعة.. كدت أفقد فيها روحي…. فقد اعتقلت وسني لم يتجاوز السادسة عشرة …وكان من بين صك الاتهام كتابة شعر تحريضي إلى جانب مشاركتي في الحركة التلاميذية سنة 1983 . وأذكر أني هددت إذا ما عدت إلى كتابة الشعر… كان هذا هو الحال إذاك فقد كان إلى جانبي شاب معتقل من أجل قصيدة عن “المهدي بنبركة ” لا أعرف ماذا أصبح الآن. فهناك في ذاك العالم السفلي للمخافر…. عاينت كنه الإنسان جوهره الجميل ” في أولئك الذين ينبذهم المجتمع… يتساوى الموظف باللص.. العاهرة بالأستاذ أذكر مجرما نزع عنه معطفه البلاستيكي حينما كانوا سيحولونه للنيابة العامة وإعطاه لي بدعوى أني لست محترفا عالم المخافر. أتذكر العديد ممن زاروني بعد خروجي من السجن ” فلاحين من بدو لمنابهة تمردوا على قائدهم المخزني وغيرهم” …. لقد كنت ألمس ذاك التعاطف والإجلال لكل معتقل سياسي وأنا مازلت غرا مراهقا ولكي لا أطيل أقول أني بعد هذه التجربة الأليمة تفجر ينبوع الشعر الذي لم يتوقف إلى الآن.. وبداعي التحدي كذلك لداك الجلاد.. وبأن لا أحد يستطيع منعي من كتابة الشعر سوى الموت. وإلى اليوم أراهن على هذا التحدي…وأراهن على حريتي. فرغم أن العديد من نصوصي لم تنشرها العديد من الجرائد الوطنية ورغم و رغم … سأظل الوفي لتلك الكائنات المغيبة المقموعة. ورغم أنني . المغيب عن مشهدهم وملاحقهم وصلت إلى قلوب الناس بدون استئدان …وبهذا فإن قصائدي مرتبطة بهذا الواقع الأليم في هذه المرحلة التاريخية العصيبة للشعوب المضطهدة وخاصة العربية منها.

تساوت 24 –كيف تحدد خارطة الشعر المغربي اليوم؟ وكيف تتحددلك الأزمة اليوم..؟

 بن خديجة…:شعراء كثيرون جدا ..قصائد ضعيفة مبنى ومعنى من ناحية الجودة؟ * لا خارطة…ولا خطة طريق.هناك أفراد أو ربما خارطة ممزقة ومشتته. هناك فيالق يكتبون على شكلة الشاكلة. وهناك أسماء تنسخ بعضها البعض خاصة من اعتدوا وتمادوا في اعتدائهم على قصيدة النثر….ربما استسهلوا غياب الوزن والتفعيلة… وكتبوا هلم جرا..وأغلبهم ليست له ثقافة شعرية عميقة .والإعلام يساعد في هتة المهزلة .ولكن رغم كل هذا هناك مبدعون حقيقيون يبعثون الأمل.والأجمل أن هناك شعراء عامية رائعون ..ربما لأنهم لم يسقطوا في حبائل هذه الفيالق….ولأنهم أقرب في ارتباطهم بهموم وهواجس الناس.أقول أن الأزمة سببها بعيد عن الإبداع…بل مبعثها هجوم إديولوجي على القصيدة التي ارتبطت بالإنسان وهمومه وقضاياه…. معتبرة أن كل من يخوض في القضايا المصيرية قد أكل عليه الدهر وشرب وأنه على شاكلة شاعر القبيلة، وشاعر الحداثة أو ما بعدها حسب رأيهم هم من يولي ظهره لهته الأمور. وأنا شخصيا لا أستطيع أن أستسيغ شاعرا باردا برودة الجليد..لا يلتفت لآلام المضطهدين في الأرض. وأنا أقول مع شاعر إسبانيا الكبير الشهيد فديريكو غارسيا لوركا: » إن موت فراشة في أقصى الأرض يعنيني ” أو كما قال مرة أخرى: القصيدة كائن يمشي في الشارع”. لا حداثه بدون التزام بقضايا المقهورين خاصة في عالمنا المتخلف الذي يحكم بأنظمة الاستبداد والقهر.. والذي مازال يحدد بثنائية ” الراعي والرعية”. لا يمكن أن أكتب عن علبة كارتون نستلي أو غيره .. أو عن الخواء والفراغ أو حبة إسبرين تسقط في كأس شامبنيا” …. لا يمكن و أنا والناس لازلنا مهددين في كرامتنا وعيشنا وحياتنا. لا يمكن أن أكتب عن ” مهمل وتافه “والإنسان الكادح من حولي أكثر من مهمل وتافه.لكي تعود الأمور إلى نصابها لا بد أن يرجع الشعراء إلى صوابهم” إلى منبع الإبداع الحقيقي.

تساوت 24-كراريس تيزي” جمعية لحياة المسرحية” …المركب الشعري ” فرقة مرايا للبحث الموسيقي والمسرحي”. كلها تجارب إبداعية وفنية متميزة ساهمت بشكل أو بآخر في تعميق مفهمومك للإبداع …كيف ترى ذلك؟.

بن خديجة…:* نعم كل هده التجارب أغنت مفهومي للقصيدة بشكل أو بآخر.. فحين خضنا تجربة الكراريس أو المستنسخات الشعرية كتيزي والمركب الشعري خرجنا بدرس كبير وهو كيف تنحث في الصخر لتوصل كلمتك. لقد كنا نحس بالإقصاء وقد ساهم الوضع المادي في إيغار هذا الجرح..فكانت الفكرة فكرة جيل بدأ بهذا التحدي إبان التسعينات كل من زاويته… «” الغارة الشعرية ” مع عدنان ياسين وسعد سرحان” و”نحن وتجربة ” مكائد شعرية ” و”الصعاليك الجدد” و “دبوس” وغيرهما كلها كانت تعبير عن مرحلة تحتاج إلى الكثير من التحليل وتسليط الضوء عليها . وكذا الأمر بالنسبة للمسرح والأغنية ساهما في إعادة ترتيب كتابتي بشكل أحاول فيه أن أضع لمستي الخاصة. وليس فقط هته الأجناس الأدبية بل انخراطي في النضالات الاجتماعية والسياسية ساهمت في تعميق وعي ردم تلك الهوة التي يسقط فيها المبدع وتفصله عن الناس..بل وينظر لها من دعاوي ” العزلة “..ربما هناك عزلة المبدع في تلك الحساسية المفرطة التي تميزه في تلقيه وتفاعله مع الأشياء… ولكن أقول مع سعدي يوسف ” أمشي مع الجموع وخطوتي وحدي”

حاوره ع العاطي الخازن…”الحلقة الأولى…”

2016-01-09
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

‎تساوت 24 admin