تجليات الخطاب الصوفي في رواية قرية ابن السيد للروائي المغربي حسن إمامي

مهدي ناقوس(اليوسفية)
امامي

على نقيض الروايات التي تدرس التجمعات السكنية وأساليب الحياة والعيش والقلق الوجودي في المدن والحواضر، والسلوكيات الاجتماعية وسط حواريها وأفضيتها وأمكنتها الضيقة، تنفتح رواية قرية ابن السيد على التجمعات البدوية، راصدة تحولات المجتمعات النووية المبنية على التضامن والتكافل الأسري والانسجام بين الأفراد، انطلاقا من قرية هامشية من بضع خيمات متفرقة، وبدون اسم معين ولا ملامح محددة السمات إلا ما تغدق عليها الطبيعة من سمات وأوصاف جغرافية وخيرات وبساطة وقناعة وتماسك، مؤسسة فضاءها على نتف من الحكايات والظواهر الإنسانية البسيطة في بنيتها، رواية تنماز بكتابتها الفاتنة عن الأرباض الهامشية القصية والمتميزة بمعمارها التقليدي وشخوصها الطاعنين في البساطة، وقيمها الإنسانية الراسخة في العراقة. هكذا يحملناالرواي في رحلة إثنوغرافية ترصد بعض التحولات المجتمعية والافتراضات والعادات والاعتقادات والفلكلور وأنماط العيش، وتستبطن أسلوب الحياة، وتدرس مجموعة القيم والأفكار والاستعارات والمأثورات الشعبية والطقوس والمعتقدات والممارسات التي يتقاسمها أفراد جماعات مشتركة في المغرب العميق ابتداء من أوائل القرن الماضي في منطقة مغمورة منسية بين أحضان الأطلس العظيم، ثم ما تفتأ أن تتحول إلى طرق آفاق عالمية في انفتاح على أفكار وأمصار أكثر رحابة، وتمتد كرونولوجيا على مدى خمسة أجيال تعج بالشخصيات التي يمكن النظر إليها من زاوية التحول المنطقي للتاريخ منفردة في عصاميتها، أو مشتركة في تعالقها مع شخصيات ومجرى نهر الرواية، ولا يمكن بأية حال نسيان علاقة الثقافة والمأثورات الشعبية بمجال الانثربو لوجيا ، لان الرواية ممسكة بعناصر متوارثة عبر تاريخ طويل جدا. ولذا بالإمكان رصد الكثير من العقائد والطقوس والممارسات التي تحولت إلى ثقافة يومية بعدما كانت جزءا من حياة تخيلية ، يمثل الشيخ السيد الفقيه والمربي الورع أحد أقطاب الطريقة الجزولية، وكاتب العقود وموزع الزكوات والتركات وفاك النزاعات التجارية والأسرية، والمقاوم للاستعمار، أول نواة لهذه السلالة الطاهرة، والذي تغدق عليه فضائل الرواية ما يليق بمقامه الطاهر من الخلال الحميدة والأوصاف الزكية، وتمتح معطياتها الإبيستيمية من شذا الأجواء الروحانية العرفانية المهيمنة لإيصال رسالتها بشكل إبداعي يتوفر على حمولات فنية وجمالية ولغوية عالية القيمة، وذات مرجعيات فكرية وعرفانية تسعى إلى خلق توازن روحي في ذات المتلقي، وزرع قيم التسامح والعدالة الاجتماعية، والتوافق الفكري والوجداني حتى لتجد نفسك محاطا بأشكال من الفكر الثيولوجي الصرف الذي يزاوج بين النص القرآني كقاعدة، والفلسفة، والحكمة، والجمال، والأخلاق، والإيمان، والتصوف الذي تسعى الرواية لتكريس خطابه، والتوظيف الإبداعي لآليات الفلكلور وطقوس إعداد الشاي آداب الحديث والجماعة، المأثور الشعبي العالم، وفن المراسلةن والمثاقفة الممزوجة بالدعابة السوداء والنكتة والمثل الشعبي، والتغطية الإعلامية للأحداث، واللقطة السينمائية، في محاولة لتوليد شكل روائي مخالف للسائد، بمقاربة متأنية لحقبة الحماية كفيلة بإعادة الإعتبار للذاكرة الجمعية، والنبش عن مأثور الماضي البسيط الذي استفاد من التراكم على مستوى التجرية السردية المغربية المابعد الكولونيالية التي تحاول بعث الروح المغربية في بلد حافظت مقاومته للاستعمار على الأصالة والحيوية والقدرة على الإبهار، – المصطلح استعمل سنة 1921 من طرف أحد منظري الاستعمار جون لافان – وذلك عبر كتابات عبد الكريم غلاب، عبد الله العروي، أحمد زيادي، أحمد الصفريوي، إدريس الشرايبي، أحمد شماعو، أحمد زنيبر، محمد عزيز الحبابي، محمد أنقار وغيرهم، في مقابل كم هائل أيضا من النصوص الروائية الكولونيالية التي تنتصر وترسخ وتشرعن لمفاهيم وفرضيات استعمارية.. تتكون رواية قرية ابن السيد من حوالي 200 صفحة وقسمين، يشكل الشق الأول ربع المتن الروائي، ويغطي تاريخيا حقبة ما قبل الاستقلال منصبا أساسا على بنية المجتمع المغربي التقليدي من حيث أساليب العيش، وظروف الحياة، والتكافل الأسري، ونشوء خلايا الكفاح المسلح ضد الاستعمار، والتنسيق فيما بين فصائل المقاومة بجهات المغرب الأربع، ونشوء الفكر الصوفي الذي ساهم في حشد الهمم وتوحيد الكلمة الشعب، والحفاظ على الطقوس ومواقيت العبادات، والحث على العمل والتجارة كعبادة، حيث يشكل الشاعر الجوال روح العاطفة التي سرعان ما تكبح من طرف حصافة الشيخ السيد الذي يوصي بأن لا يشيد على قبره مزار، ممثلا في ذلك الضمير الحي، وروح الإيثار والعقل عملا بالحديث القائل « إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها »، ثم يدفعنا هذا الفصل بالذات إلى التفكير في تاريخ المغرب القديم وبوادر نشأة الفكر الصوفي، وانتشار الطرق الصوفية ومزارات الأولياء والأضرحة والرابطات والزوايا ملتقى المؤمنين منذ حلول القوافل الأولى للفتح الإسلامي لهذه الربوع بداية من القرن الثالث الهجري، ومساهمة التصوف السني بقسط وافر في استتباب الأمن، ونبد العصبية، وإرساء قواعد الدين الإسلامي، وتحقيق الاستقرار الروحي والتضامن والتعاون والتكافل الأسري، والجهاد بالنفس والنفيس والدعوة للجهاد في سبيل نصرة وانعتاق البلاد من هيمنة الغازي، والحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن العجيب، والمدهش، كما يقول د. يوسف زيدان بــ ” أن معظم الطرق الصوفية التى استقرت بمصر طيلة القرون الثمانية الماضية، ترجع أصولها إلى المغرب والأندلس! سواءٌ كانت قد وفدت من هناك مباشرةً، أو على نحوٍ غير مباشر” “إذن، باستثناء الطريقة القادرية (أتباع سيدى عبدالقادر الجيلانى) والطريقة المولوية (أتباع مولانا جلال الدين الرومى) فإن أصول الطرق الصوفية المصرية، جميعها، مغاربية! أى أندلسية ومغربية.. وهو ما يفسِّر لنا اعتقاد أهل القرى المصرية، خاصةً فى الصعيد، بأن (الولىّ) لابد أن يكون مغربياً، ليكون باهر الكرامات” ويستهل الجزء الثاني تناوله لجيل الاستقلال، والذي يشكله الجيل الثالث من سلالة قرية ابن السيد وما بينهما من شخوص تربطهم أواصر القرابة أو الاهتمامات الفكرية والعقائدية، ويمثله محمد بن المصطفى حفيد الشيخ السيد، الذي اختار الدراسة بألمانيا، وتخرج في كلية العلوم، واقترن بسارة من أصول تركية، ووجه اهتمامه للدراسات الفلسفية ومباحث التصوف، والاهتمام بتاريخ مسقط الراس وأصل الأجداد، وقد وفد للمشاركة في ملتقى دولي للتسامح بمراكش معية محاضرين وباحثين من مختلف الجنسيات والديانات، ولمراكش رمز كبير فيما يخص تلاقح الديانات السماوية وحوار الحضارات عبر تاريخها الطويل، باحتوائها لأضرحة سبعة رجال، محمد بن المصطفى في تكوينه الأكاديمي جمع بين جناحي المعرفة تليدها وحديثها، والحضارة شرقها وغربها، الإنسان الذي يجمع في شخصيته بين المثقف المتنور، والمتدين الوسطي الراسخ في الإيمان من دون غلو أو تطرف، والجيل الخامس الذي ينتهي بسعيد بن علي بن عبد العزيز بن المصطفى ابن الشيخ السيد مستعرضا ميولاته وهندامه العصري وهيأته وأفكاره العقلانية اليسارية وطموحاته العريضة وأحلامه بالهجرة إلى كندا عبر الزواج المختلط الذي يجابه باعتراض أسرته ، والعمة فطومة التي تمثل صلة وصل بين الأجيال بحركيتها وصبرها وحنانها وتسامحها ويتطرق الحديث على مدى الصفحات إلى مفهوم التسامح الصوفي الجامع بين رؤى وتأويلات مختلفة، كنوع من دفع الدين بالدين، أو عولمة الدين، وفقا للمنظور العرفاني والرباني، متجاوزا الدلالات الظاهرة إلى ما هو باطني جواني الداعي إلى الانصهار لحد الحلولية في الذات الإلهية، بحسب قول الشيخ ابن تيمية: “عدد الطرق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق”، أو من حيث رؤية ابن عربي من جهة أخرى بأن الأديان والعقائد واحدة مهما اختلفت معبوداتها وصورها وتوجهاتها ورسالاتها بقوله:

قراءة للأديب مهدي نقوس

2014-12-08
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

‎تساوت 24 admin